ابن خلكان
121
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
قال الحاكي : وحضرته يوما وهو يملي كتاب شفاعة ، فكتب في آخره : إنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضل جاهه يوم القيامة ، كما يسأل عن فضل ماله . وقال لبنيه : يا بنيّ تعلموا النطق ، فإن فضل الإنسان على سائر البهائم به ، وكلما كنتم بالنطق أحذق كنتم بالإنسانية أحق . [ وكان سهل والد الحسن المذكور يتقهرم « 1 » ليحيى بن خالد بن برمك ، وضم يحيى الحسن والفضل ابني سهل إلى ابنيه الفضل وجعفر يكونان معهما ، فضم جعفر بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد فغلب عليه ولم يزل معه إلى أن قتل بخراسان ، فكتب المأمون إلى الحسن بن سهل وهو ببغداد يعزيه بأخيه ويعلمه أنه قد استوزره وأجراه مجراه ، فلم يكن أحد من بني هاشم ولا من القواد يخالف للحسن أمرا ولا يخرج له من طاعة ، إلى أن بايع المأمون لعلي بن موسى الرضا بالعهد ، فغضب بنو العباس وخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي ، فحاربه الحسن بن سهل ، فضعف عنه ، فانحدر الحسن إلى فم الصلح فأقام به ، ووجّه من فم الصلح من حارب إبراهيم ، فضعف أمر إبراهيم واستتر ، وقد تقدم ذكر ذلك . ثم دخل المأمون بغداد وكتب إلى الحسن بن سهل فقدم عليه ، فزاد المأمون في كرامته وتشريفه عند تسليمه عليه وذلك في سنة أربع ومائتين . قال ثعلب : قيل للحسن وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله : ليس في السرف خير ، فقال : بل ليس في الخير سرف . فردّ اللفظ واستوفى المعنى . ودخل على الحسن أعرابي مدحه بشعر استحسنه ، فلما فرغ منه قال له الحسن : اجلس واحتكم ، وهو يظن أن الأعرابي صغير الهمة ؛ فقال : ألف ناقة ، فوجم الحسن ولم تكن في وسعه يومئذ ، وكره أن يفتضح ، فأطرق إطراقة ثم قال : يا أعرابي ، ليس بلدنا بلد إبل ولكن كما قال امرؤ القيس « 2 » : إذا ما لم تكن إبلا فمعزى * كأنّ قرون جلّتها العصيّ قال : قد رضيت ، قال : فالحق يحيى بن خاقان يعطك ألف شاة ، فصار إلى
--> ( 1 ) يتقهرم : يعمل قهرمانا . ( 2 ) ديوانه : 136 .